ابن قيم الجوزية
38
الروح
ويتعارفان قال : فترجع روح الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجلها ، وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس . وهذا أحد القولين في الآية : وهو أن الممسكة من توفيت وفاة الموت أولا ، والمرسلة من توفيت وفاة النوم ، والمعنى على هذا القول أنه يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة ، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى . والقول الثاني في الآية : إن الممسكة والمرسلة في الآية كلاهما توفى وفاة النوم ، فمن استكملت أجلها أمسكها عنده ، فلا يردها إلى جسدها ، ومن لم تستكمل أجلها ردها إلى جسدها لتستكلمه ، واختار شيخ الإسلام « 1 » هذا القول وقال : عليه يدل القرآن والسنّة قال : فإنه سبحانه ذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها وفاة النوم ، وأما التي توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا بإرسال بل هي قسم ثالث . والذي يترجح هو القول الأول ، لأنه سبحانه أخبر بوفاتين : وفاة كبرى وهي وفاة الموت ، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم ، وقسم الأرواح قسمين قسما قضى عليها بالموت فأمسكها عنده وهي التي توفاها وفاة الموت ، وقسما لها بقية أجل فردها إلى جسدها إلى استكمال أجلها ، وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين المذكورتين أولا ، فهذه ممسكة وهذه مرسلة ، وأخبر أن التي لم تمت هي التي توفاها في منامها ، فلو كان قد قسم وفاة النوم إلى قسمين وفاة موت ووفاة نوم لم يقل وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فإنها من حين قبضت ماتت وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ « 2 » . ولمن أبصر هذا القول أن يقول قوله تعالى فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ بعد أن توفاها وفاة النوم فهو سبحانه توفاها أولا وفاة نوم ثم قضى عليها الموت بعد ذلك ، والتحقيق أن الآية تتناول النوعين ، فإنه سبحانه ذكر وفاتين ، وفاة نوم ووفاة موت ، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى ، ومعلوم أنه سبحانه يمسك
--> ( 1 ) أي ابن تيمية . ( 2 ) سورة الزمر ، الآية 42 .